الأُخوةأقوى من قتل الإخوة، الرجاء أقوى من المَوت، السلام أقوى من الحرب. ولا يمكن أن تُخنق هذه القناعة في وسط الدماء التي تَسبب في إراقتها هؤلاء الذين يشوهون اسم الله ويسيرون في طرق الدمار.

هكذا ناشد البابا فرنسيس العالم أجمع، والعالم العربي والسلطة السياسية العراقية خاصّة، من أرض العراق، “مهد الحضارة – كما وصفها – والمرتبطة ارتباطّا وثيقًا مِن خلال أبينا ابراهيم والعديد من الأنْبياء، بتاريخ الخَلاص والتقَاليد الدينيَّةِ الكُبرى، اليَهوديَّة والمسيحيَّة والإسْلام”.

على الرّغم من الواقع الأليم الذي يحيط بدولة العراق، من الحوادث الأمنية الأخيرة، إلى الأزمة الصّحيّة المتمثّلة بانتشار وباء كورونا بشكلٍ كبير، إلا أن ذلك لم يكن عائقًا أمام البابا فرنسيس لأن يفي بوعده بزيارة رسولية إلى أرض الرافدين، والتي حملت عنوان: “أنتم جميعًا إخوة”.

تخلّلت زيارة البابا العديد الرسائل المفصليّة التي وُجّهت بالمقام الأول إلى السلطة السياسية في العراق، وإلى المجتمع بكافّة أطيافه، وتعدّديته التي يجب أن تكون نعمة هذا البلد الحضاري لا نقمته.

“لتصمُتْ الأسلحة … ولتتوقّف المصالح الخاصّة”

من أولى تلك الرسائل، كانت التنبيه بضرورة التخلّص من لغة السلاح.

إذ أصبحت الأسلحة، للأسف، اللغة الوحيدة التي يتحاور بها الأفرقاء كافّة، والحلّ الأوحد في جعبتهم، للمعضلات والاختلافات بالرأي واختلاف “المصالح”. حتّى باتت تشكّل أولى العوائق أمام قيام دولة العدالة والمساواة.

كما وجّه دعوته لرجال السلطة والدبلوماسيين، بحسن استعمال السلطة والتصدّي لآفة الفساد، والمصالح الفرديّة والخاصّة التي تسيّر عمل السياسيّين؛ بدلاً من أن يكون همّهم الأوحد هو العمل على تحقيق المصالح العامّة، والمساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء المجتمع العراقي بكامله دون تمييز. من هنا أتى إصرار الحبر الأعظم على الابتعاد عن هذه اللّغة والعمل سويّة في السلطة السياسية يدًا واحدة، دون أي ارتهان لجهات خارجيّة.

“على الدين أن يخدم قضيّة السّلام والوحدة بين جميع أبناء الله”

إن المجتمع العراقي بطبيعته مجتمع تعدّدي. وقد جاءت زيارة البابا فرنسيس بمثابة دعم لهذه التعدّدية ونبذ لغة التطرّف.

عانى العراق والعراقيون كثيرًا من التطرّف، والتعديات التي مارسها تنظيم داعش الأصولي، خاصّة بحقّ الأقليات الدينيّة سبّبت نوع من الإنعزاليّة لدى كلّ ديانة على حدة في المجتمع، وأصبحت كلّ فئة وكلّ طائفة، بموقعٍ دفاعي مقابل الأخرى. كلّ ذلك، عمّق سوء التفاهم بين أبناء المجتمع الواحد، وأوصل العراق إلى أوضاعٍ أمنية ومجتمعيّة مؤسفة.

ومع لقاء الحبر الأعظم مع آية الله السيّد علي السيستاني، المرجعيّة الدينيّة الشيعيّة الأولى، تنبيه مفصلي لضرورة رفض هذا العنف والتمييز بين الأديان، ومناشدة الدولة والمجتمع بشبابه وشيبه، لتعميق روح المساواة والأخوة بين العراقيين كافّة. فالله هو واحد والمحبّة هي الرابط الأقوى بين الجميع.

إضافةً إلى ذلك، فإن هذا اللّقاء، كان بمثابة توعية لأفراد المجتمع بضرورة استخدام الدين لنشر المحبة والتعايش السلمي. وبمثابة نداء من المرجعيّتين “القِمّة” لعدم تكفير الآخر واحترام عقيدته وحرّيته بممارسة هذه العقيدة؛ كما والوقوف معًا، للوصول بدولة المواطنة والمساواة إلى برّ الأمان.

والجدير ذكره، بأنّ خطوة البابا فرنسيس بزيارة السيّد السيستاني، تُعتبر بمثابة زرع بذور مشروع الحبر الأعظم، في تعميق الحوار الأخوي بين الأديان والذي بدأه مع شيخ الأزهر في مصر وتوّج بتوقيعهما فيما بعد وثيقة الأخوة والإنسانية عام 2019.

“لن يكون سلام، ما زلنا نعتبر الآخرين أنّهم “آخرون” وليسوا جزءًا منّا”

“اللّقاء بين الأديان”، اتّخذ عمقه الروحي، من على سهل مدينة أور الأثرية، مهد الأديان السماوية الثلاثة، ووُجّهت من خلاله رسالة، بإسم العراق إلى العالم أجمع.

إنّها رسالة، ذو عمق روحي وإنساني كبير ومهمّ. علينا أن ننظر لها لناحية تعزيز التقارب بين الأديان، التي يربطها أصل واحد وهو أبينا ابراهيم. ووجوب إبعادها عن المصالح السياسيّة الضيّقة التي تسبّب الشرخ الأكبر بين أبناء الوطن الواحد. وهذا لا ينطبق فقط على دولة العراق إنّما هي رسالة لجميع دول العالم، والعالم العربي خاصّة الذي تقوم فيه بعض التيارات الفكرية والإيديولوجية، باللّعب على وتر الدين من اجل تنفيذ أجندات سياسيّة، لتأمين سيطرة جهات دون أخرى على هذه المنطقة الإقليمية، وتحقيق المصالح الخاصة، مضحّين بذلك بالسلم والتوافق بين الشعوب.

وقد شكّل التضامن لدى عنصر الشباب بكافّة طوائفهم لبناء الكنائس والمساجد، بعد الاعتداءات الإرهابية، مثال أعلى، ودليل قدّمه البابا فرنسيس للعالم أجمع، بأن الدين يجمع ولا يُفرّق. الدين محبّة واحترام وإخاء. الدين مساواة وعدالة. ودعوة مشجّعة لجميع “تلاميذ المسيح” – بحسب تعبير الحبر الأعظم – الذين غادروا العراق خوفًا من الأعمال الارهابية التي مورست بحقّهم، دعوة لهم بالعودة بين إخوانهم في الوطن والإنسانيّة، ليعملوا معًا على البناء. بناء الإنسان المواطن المُحبّ لأخيه، بناء المجتمع، ومن ثمّ بناء المنازل.

فرادة المجتمع العراقي أنه مجتمع تعددي، ولا تستطيع أي جماعة تاريخية أن تلغي الأخرى. لم يسبق أن حصل ذلك في العالم من قبل، ولن يحصل الآن في العراق. إذًا، اعتبار “الآخر” شريكًا في الوطن، هو الانتصار الأقوى على دعاة الحرب والإرهاب والسلاح. فتنتصر قوة المنطق، ويُغلَب منطق القوّة.

وأخيرًا…

أقلّ ما يُقال في زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، هو أنها زيارة تاريخيّة. أراح فيها كاهل الشعب العراقي بكامله، وحثّ فيها السّلطة على العمل بموضوعيّة ودون تحيّز لتفعيل دور الدولة وتأمين حقّ الحياة الآمنة للمواطنين والتعالي على المصالح الشخصيّة والحسابات الضيّقة. فلاقت هذه التنبيهات صدىً إيجابيًا لدى المجتمع بوجود أمل يلوح في الأفق، وبأنّ كلّ ما تعرّضوا له من مضايقات واضطهادات وإرهاب داعش أو الميليشيات المسلّحة الأخرى، كلّ ذلك إلى زوال، وحده الحقّ هو المنتصر في النهاية. وأرضٌ كأرض العراق لا يمكن لأي نارِ شرٍّ أن تحرقها.

 

مجلة صبا